المناوي
36
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
ترعد فرائصهم ويعجبون ، فلغلبة الحياء عليهم يتخيّلون أنّ التجلّي الذي أورثهم الخشوع والحياء يراه كلّ أحد ، فهؤلاء هم رجال الغيب في اصطلاح أهل اللّه ، وقد يطلقونه ويريدون من يحتجب عن الأبصار من الإنس ، وقد يطلقونه ويريدون رجالا من صالحي الجنّ ، وقد يطلقونه على من لا يأخذ شيئا من العلوم والذّوق المحسوس من الحسّ بل [ يأخذونه ] من الغيب . الطّبقة الثّامنة عشرة : الظّاهرون بأمر اللّه عن أمر اللّه ، وهم ثمانية عشر نفسا في كلّ زمن ، لا يزيدون ، ولا ينقصون ، ظهورهم باللّه ، قائمون بحقوقه ، مثبتون للأسباب ، وخرق العوائد عندهم عبادة . قال الأستاذ أبو مدين رحمه اللّه يقول لأصحابه : أظهروا ما أعطاكم اللّه من نعمه الظّاهرة ، يعني خرق العوائد « 1 » . وآيتهم قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [ الأنعام : 91 ] . الطّبقة التاسعة عشرة : رجال القوّة الإلهيّة ، وهم ثمانية في كلّ زمن ، لا يزيدون ، ولا ينقصون ، آيتهم أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [ الفتح : 29 ] ، لهم من الأسماء « 2 » الإلهيّة ذو القوّة المتين ، قدمهم عزيز في المعارف ، لا تأخذهم في اللّه لومة لائم ، وقد يسمّون رجال القهر ، لهم همم فعّالة في النّفوس ، لهم أثر عجيب ، وكلّ معنى غريب . الطّبقة العشرون : رجال الحنان والعطف ، وهم خمسة عشر في كلّ زمن ، لا يزيدون ، ولا ينقصون ، لهم شفقة على عباد اللّه مؤمنهم وكافرهم ، ينظرون الخلق بعين الوجود والجود ، لا بعين الحكم والقضاء ، لا يولّي اللّه منهم أحدا ولاية « 3 » ، لأنّ ذوقهم ومقامهم لا يحتمل القيام بأمر الخلق ، فهم مع الحقّ في
--> ( 1 ) قول أبي مدين : أظهروا للناس ما عندكم من الموافقة كما يظهر الناس بالمخالفة ، وأظهروا ما أعطاكم اللّه من نعمه الظاهرة يعني خرق العوائد والباطنة يعني المعارف ، فإن اللّه يقول : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [ الضحى : 11 ] . ( 2 ) في الأصل : السماء ، والمثبت من جامع كرامات الأولياء 1 / 43 . ( 3 ) في الأصل : وليا ، والعبارة في جامع كرامات الأولياء : لا يولي اللّه قط منهم أحدا ولاية ظاهرة من قضاء أو ملك .